بلد الحضارات المهددة: كيف تُترك آثار العراق لمصيرها؟

بلد الحضارات المهددة: كيف تُترك آثار العراق لمصيرها؟

ليست آثار العراق مجرد شواهد حجرية صامتة، بل ذاكرة حيّة تتعرض للمحو البطيء، وهوية تاريخية تُترك اليوم في مواجهة خطر الاندثار. فالعراق، مهد الكتابة وأولى الحضارات الإنسانية، يجد نفسه أمام مفارقة قاسية: ثروة أثرية هائلة تقابلها قدرة محدودة على الحماية والصون.

يمتلك العراق آلاف المواقع الأثرية الممتدة من أور وبابل ونينوى والحضر، وصولًا إلى سامراء وبغداد والبصرة، وهي مدن شكّلت خرائط الحضارة الأولى للبشرية. غير أن هذه الخرائط تحولت إلى مساحات مهملة، ضحية غياب التخطيط، وضعف الرقابة، وتبدّل الأولويات السياسية، فضلًا عن الاستثمار العشوائي الذي ينظر إلى الأرض الأثرية بوصفها مشروعًا عقاريًا لا قيمة ثقافية.

وتشير تقديرات دولية، من بينها تقارير منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، إلى أن العراق يضم أكثر من 15 ألف موقع أثري مسجّل، إضافة إلى آلاف المواقع غير المنقّبة. ورغم ذلك، لا يحظى هذا الإرث الإنساني إلا بجزء ضئيل من الموازنة العامة، ما يجعل حمايته شبه مستحيلة في ظل قلة الكوادر والإمكانات.

شكّل عام 2003 نقطة تحول كارثية في تاريخ التراث العراقي، حيث تعرّض المتحف الوطني العراقي لأكبر عملية نهب ثقافي في العصر الحديث، واختفت آلاف القطع الأثرية التي لا يزال جزء كبير منها يتنقل في الأسواق السوداء العالمية. إلا أن الأخطر من النهب كان الإهمال الذي تلاه، حين تُركت المواقع بلا حماية، وتحولت بعض التلال الأثرية إلى مكبّات نفايات أو مناطق سكنية عشوائية.

وجاءت مرحلة تنظيم “داعش” بين عامي 2014 و2017 لتضيف فصلًا أكثر دموية، مع تدمير متعمد لمواقع كبرى مثل النمرود ونينوى والحضر، في محاولة ممنهجة لطمس الذاكرة وقطع الصلة بالجذور. لكن، وبعد انتهاء الخطر العسكري، لم يُترجم الحديث عن الإنقاذ إلى مشروع وطني شامل، بل استمر التهميش بصيغ أكثر نعومة، عبر غياب الصيانة، وزحف العمران، وتسرب عوامل الطبيعة إلى المعالم التاريخية.

ولا يمكن فصل هذا الواقع عن ضعف الوعي المجتمعي، وهو ضعف تتحمل الدولة مسؤوليته حين تغيب التربية الثقافية، ولا يُربط الأثر بالهوية الوطنية أو بالاقتصاد والسياحة. فالدول التي استثمرت في “الاقتصاد الثقافي” حققت عوائد ضخمة، بينما لا يزال العراق عاجزًا عن تحويل إرثه الحضاري إلى رافعة تنموية حقيقية.

إن إنقاذ آثار العراق لا يبدأ بالترميم وحده، بل بالاعتراف بأن التاريخ مورد سيادي لا يُعوّض. فالأثر إذا فُقد لا يعود، والذاكرة إذا مُسحت لا تُستعاد. والعراق اليوم أمام خيارين واضحين: إما صون هويته الحضارية، أو الاستمرار في نهج الإهمال، ودفع ثمن فقدان الذاكرة… ومعها المستقبل.

مشاركة
الكلمات الدلالية: