حواسيب تحاكي الدماغ تنجح في حل معادلات معقدة
في تطور قد يعيد تشكيل مستقبل الحوسبة العلمية، أظهرت أنظمة حاسوبية مستوحاة من طريقة عمل الدماغ البشري قدرتها على حل معادلات رياضية معقدة كانت حتى وقت قريب حكرًا على الحواسيب العملاقة عالية الاستهلاك للطاقة.
وأفادت دراسة نُشرت في مجلة Nature Machine Intelligence أن ما يُعرف بالحوسبة العصبية (Neuromorphic Computing) بات قادرًا على التعامل بكفاءة مع المعادلات التفاضلية الجزئية (PDEs)، وهي أساس محاكاة الطقس، وتدفق السوائل، والحقول الكهرومغناطيسية، وسلوك المواد تحت الضغط، فضلًا عن تطبيقات مرتبطة بالأمن القومي.
المعادلات التفاضلية الجزئية تُعد من أعقد الأدوات الرياضية المستخدمة في توصيف الأنظمة الفيزيائية، وتتطلب عادة قدرات حسابية ضخمة، ما يجعل مراكز الأبحاث تعتمد على حواسيب عملاقة تستهلك كميات هائلة من الكهرباء. غير أن فريقًا من مختبرات سانديا الوطنية في الولايات المتحدة طوّر خوارزمية جديدة تمكّن العتاد العصبي – المصمم لمحاكاة الشبكات العصبية في الدماغ – من حل هذه المعادلات بكفاءة ملحوظة.
وتختلف الحوسبة العصبية جذريًا عن البنية التقليدية للحواسيب، إذ لا تعتمد على المعالجة الخطية المتسلسلة، بل على شبكة من العقد تعمل بطريقة أقرب إلى الخلايا العصبية، ما يسمح بمعالجة متوازية وموفرة للطاقة.
ويرى الباحثون أن الدماغ البشري ينفذ في كل لحظة حسابات ديناميكية معقدة – مثل تقدير المسار والسرعة والقوى الفيزيائية أثناء الحركة – بكفاءة طاقية مذهلة، مقارنة بأي نظام تقليدي. وقد كشفت الدراسة عن رابط غير متوقع بين نموذج معروف في علم الأعصاب الحاسوبي وصياغة رياضية للمعادلات التفاضلية الجزئية، وهو رابط لم يُكتشف طوال أكثر من عقد.
أحد أبرز أبعاد الاكتشاف يتعلق بخفض استهلاك الطاقة، إذ إن الحواسيب العملاقة المستخدمة في محاكاة الأنظمة النووية أو المناخية تستهلك طاقة هائلة. وإذا أمكن تنفيذ عمليات مماثلة عبر أنظمة عصبية، فقد يمهد ذلك لظهور جيل جديد من “الحواسيب العملاقة العصبية” الأقل استنزافًا للموارد.
ولا يقتصر الأثر المحتمل على الجانب الهندسي فحسب، بل يمتد إلى علوم الأعصاب، إذ قد يساعد تطوير خوارزميات تحاكي الشبكات العصبية على فهم أعمق لآليات الحساب داخل الدماغ. ويعتقد بعض الباحثين أن اضطرابات مثل ألزهايمر أو باركنسون قد تكون – جزئيًا – اضطرابات في أنماط المعالجة العصبية، ما يفتح الباب أمام أدوات تشخيص أو نماذج تفسيرية مستقبلية.
ورغم أن الحوسبة العصبية لا تزال مجالًا ناشئًا، فإن النتائج الجديدة تمثل خطوة مهمة نحو توسيع تطبيقاتها خارج نطاق الذكاء الاصطناعي التقليدي، في تقاطع متنامٍ بين علوم الأعصاب والرياضيات التطبيقية والهندسة الحاسوبية.

