مبادرات فردية توثق التراث العراقي المهمل

مبادرات فردية توثق التراث العراقي المهمل

في أحياء مهجورة ومبانٍ آيلة للسقوط، يقف عراقيون بعدساتهم أمام معالم مهددة بالاندثار، لا بحثًا عن الإثارة، بل دفاعًا عن ذاكرة وطن تتآكل بصمت. خلال السنوات الأخيرة، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى مساحة بديلة لتوثيق التراث العراقي، يقودها مصورون وأكاديميون وصناع محتوى بجهود شخصية بعيدًا عن الغطاء المؤسسي.

توثيق في مواجهة النسيان

يرى الأكاديمي المختص بالسياحة ستار الجودة أن ضعف معرفة شريحة واسعة من العراقيين بتاريخ بلادهم دفعه إلى تقديم محتوى مرئي تعريفي بالمواقع التراثية، خاصة في بغداد. ويؤكد أن الفيديو بات وسيلة أكثر تأثيرًا من النصوص المكتوبة، خصوصًا للوصول إلى فئات لا تجيد القراءة أو تفضل المحتوى البصري.

التفاعل الواسع مع هذه المواد، بحسب الجودة، يعكس تعطش الجمهور لمعرفة تاريخه، ويكشف فجوة معرفية تحاول هذه المبادرات سدّها بوسائل بسيطة وفعالة.

من هيت إلى العالم

هيت كانت نقطة انطلاق للمصور عمار الهيتي، الذي بدأ منذ عام 2015 بتوثيق معالم مدينته، وعلى رأسها النواعير التاريخية. ومع نشر الصور مرفقة بشروح موجزة، جذب اهتمام متابعين داخل العراق وخارجه.

بعد تحرير المدينة من تنظيم داعش عام 2017، عادت الفعاليات الثقافية، وأعيد تأهيل النواعير ومحيطها، في خطوة يرى الهيتي أن التوثيق الرقمي ساهم في تحريكها. اليوم، تستقبل المدينة مجموعات سياحية في جولات تعريفية أعادت حضورها إلى الواجهة.

صورة قبل الهدم

أما المصور البغدادي علي كاظم، فكانت بدايته حين وثّق منزلًا تراثيًا قبل هدمه بساعات. يقول إن شعوره لم يكن مجرد تصوير مبنى، بل إنقاذ ذاكرة كاملة من الزوال. ورغم المخاطر المرتبطة بدخول مواقع غير آمنة، يواصل العمل باعتبار أن الصورة قد تكون الدليل الوحيد على وجود المكان.

ويشير إلى أن بعض مقاطعه دفعت جهات محلية إلى زيارة مواقع مهجورة بعد انتشارها، ما يعني أن التوثيق الفردي قد يتحول إلى ضغط مجتمعي يحمي المعالم التاريخية.

سياحة الفضول

صانع المحتوى حسين العبيدي يعتمد تقنيات تصوير ومونتاج احترافية، ويؤكد أن التفاعل الذي يحققه المحتوى التراثي خلق نوعًا من السياحة الداخلية غير المخطط لها. فالجمهور، بحسب قوله، يبحث عن جذوره، ويكفي أن يرى المكان ليقرر زيارته.

بدوره، يركز المصور والفنان التشكيلي يوسف وليد على البعد التوثيقي طويل الأمد، معتبرًا أن تصوير المواقع التراثية والطبيعية يمثل “أرشفة شعبية” تدعم البحوث والدراسات، وتعزز ارتباط الإنسان بوطنه.

أرشيف شعبي في وجه الإهمال

هذه العدسات، رغم تواضع إمكاناتها، تحولت إلى خط دفاع أول عن التراث العراقي، في ظل ضعف الحماية الرسمية لبعض المواقع. فالمخاطر التي يواجهها المصورون داخل المباني المتصدعة تبدو أقل وطأة، بنظرهم، من خطر اختفاء المعالم دون أثر.

بين الصورة والفيديو والبث الحي، تتشكل ذاكرة رقمية موازية، تحفظ ما تبقى من ملامح مدن أنهكها الإهمال، وتعيد طرح سؤال الهوية والانتماء في زمن المنصات السريعة.

مشاركة
الكلمات الدلالية: