من الزوراء إلى المتحف البغدادي.. كيف خلّد غازي السعودي بغداد في جدارياتها؟

من الزوراء إلى المتحف البغدادي.. كيف خلّد غازي السعودي بغداد في جدارياتها؟

تمثل جداريات الفنان العراقي الراحل غازي السعودي واحدة من أبرز الشواهد البصرية التي اختزلت ذاكرة بغداد، وربطت ماضيها العريق بحاضرها المتقلب، لتتحول جدران المدينة إلى سجل فني مفتوح يروي حكايات المكان والإنسان.

فبغداد، المدينة التي لا تنفصل عن السرد والحكاية، وجدت في فن الجداريات وسيلة لتجسيد ذاكرتها الجمعية، حيث امتد الفن الجداري في العراق بجذوره إلى الحضارات السومرية والبابلية والآشورية، التي استخدمت الجدران لتوثيق الحياة والطقوس والإنجازات. وفي هذا السياق، جاءت أعمال غازي السعودي امتدادًا معاصرًا لذلك الإرث العميق.

ورغم تزامن تجربته مع موجة الحداثة الفنية، فإن السعودي اختار أن يجعل الهوية المحلية والتراث العراقي محورًا أساسيًا لأعماله، فمزج بين الجماليات الحديثة والعودة إلى الجذور، مستلهمًا موضوعاته من الحضارات القديمة، والعصر العباسي، والأساطير الشعبية، والحياة اليومية البغدادية.

وتعد جداريات متنزه الزوراء من أشهر أعماله وأكثرها حضورًا في الذاكرة العامة، إذ جسدت مشاهد تمتد من السومريين والبابليين إلى بغداد العباسية، مرورًا بقصص “ألف ليلة وليلة”، وأسواق بغداد، والمقاهي الشعبية، والسمك المسكوف، والرموز العلمية والثقافية التي عرفت بها المدينة في عصرها الذهبي.

كما حملت الألوان دلالات رمزية واضحة، فالذهبي استحضر ازدهار بغداد العلمي، بينما جسدت صور العلماء والوراقين وبيت الحكمة الدور الريادي للعاصمة العباسية في الطب والترجمة والمعرفة. ولم تغب الرموز الدينية والمعمارية، مثل قبة زمرد خاتون، وجامع السراي، ومرقد الإمام الكاظم، وبغداد المدورة بأبوابها التاريخية.

وفي جدارية المتحف البغدادي، انتقل غازي السعودي إلى تصوير تفاصيل الحياة الشعبية والمهن التقليدية، من الباعة والأسواق إلى الشناشيل والمقاهي، في انسجام تام مع رسالة المتحف في توثيق الحياة البغدادية القديمة، لتغدو الجدارية مكملة للمشهد المتحفي لا مجرد عنصر زخرفي.

ورغم القيمة الفنية والثقافية العالية لهذه الأعمال، ما يزال غازي السعودي يعاني من تهميش إعلامي واضح، إذ يجهل كثيرون اليوم اسم صانع جداريات بغداد، في وقت تتعرض بعض أعماله للإهمال أو الإزالة، فيما يحتاج ما تبقى منها إلى ترميم علمي يحفظ قيمتها الفنية ودورها في الذاكرة العراقية.

وقد أنجز السعودي، المولود في بغداد عام 1935 والمتوفى عام 2013، نحو 44 جدارية موزعة في أماكن عامة وخاصة، منفذًا أعماله بالكامل داخل العراق بعد دراسته فن الجداريات والفريسكو في روما، ليكون بذلك رائد هذا الفن ومؤسسًا لتدريسه أكاديميًا في كلية الفنون الجميلة ببغداد.

وتبقى جداريات غازي السعودي اليوم سجلًا بصريًا يوثق تاريخ بغداد، ويجسد تلاقي الفن بالذاكرة، ويؤكد أن المدن لا تعيش إلا بما تحفظه من قصصها على جدرانها.

مشاركة
الكلمات الدلالية: