من موشح ديني إلى أيقونة عالمية.. حكاية لحن أغنية فيروز “البنت الشلبية”
لم تعد أغنية «البنت الشلبية» مجرد عمل غنائي ارتبط بمرحلة زمنية محددة، بل تحولت إلى نموذج حي لكيفية تفاعل التراث الموسيقي العربي وتداخله بين مدارس وثقافات متعددة، ليخرج في النهاية بلحن خالد تجاوز الجغرافيا واللغة.
العمل الذي قدّمه فيروز بتوقيع الأخوين رحباني أواخر خمسينيات القرن الماضي، واصل حضوره بقوة حتى اليوم، محققًا مئات الملايين من المشاهدات والاستماعات عبر المنصات الرقمية، مع إعادة تقديمه بلغات وأساليب موسيقية مختلفة حول العالم.
ويرى باحثون في تاريخ الموسيقى أن الجذور الأولى للحن تعود إلى الموسيقار العراقي ملا عثمان الموصلي (1854–1923)، الذي صاغه في الأصل ضمن موشح ديني، ليكون لاحقًا أحد الألحان التي شكّلت أساسًا لكثير من الأعمال العربية الخالدة.
أما الإضافة المصرية فجاءت عبر سيد درويش، الذي تتلمذ على يد الموصلي في القاهرة، وأعاد تقديم اللحن في قوالب أكثر حداثة، مع الحفاظ على طابعه الشرقي الأصيل، ما ساهم في انتشاره وتداوله في أوساط فنية أوسع.
وفي محطة لاحقة، وجد اللحن طريقه إلى مدرسة القدود الحلبية، حيث قدّمه صباح فخري بكلمات مختلفة تحت عنوان «العزوبية»، وهو ما عزّز الطابع الحلبي للعمل، وهو ما أشار إليه لاحقًا الموسيقار زياد الرحباني مؤكدًا أن جذور اللحن حلبية بامتياز.
لغويًا، تحمل كلمة «شلبية» في اللهجات الشامية دلالات الجمال والرقي والأناقة، وتعود بجذورها إلى اللغة التركية، حيث استُخدمت قديمًا لوصف النبلاء وأصحاب الثقافة. كما تربط بعض الدراسات الكلمة بمدينة «شِلب» الأندلسية، ما يفتح الباب أمام امتداد تاريخي أقدم للحن في الفضاء الأندلسي.
وعالميًا، ألهمت الأغنية عشرات الفنانين خارج العالم العربي، فظهرت نسخ فارسية وتركية ويونانية، أبرزها أداء الفنان اليوناني جورج دالارا بأسلوب متأثر بالموسيقى البيزنطية، في تأكيد جديد على قدرة هذا اللحن على التكيّف مع ثقافات متعددة دون أن يفقد هويته الأصلية.

