142 عامًا من الصمود.. جسر داقوق يحكي قصة العمارة العثمانية في العراق

142 عامًا من الصمود.. جسر داقوق يحكي قصة العمارة العثمانية في العراق

في قضاء داقوق التابع لمحافظة كركوك شمالي العراق، لا يزال الجسر العثماني التاريخي قائمًا يؤدي دوره الحيوي كما كان قبل أكثر من قرن، متحديًا تقلبات الزمن والظروف المناخية القاسية، ليغدو شاهدًا حيًا على متانة العمارة العثمانية وقدرتها على ربط الجغرافيا بالإنسان عبر العصور.

ويمتد الجسر فوق نهر داقوق، وكان أحد أهم المعابر الاستراتيجية التي استخدمتها القوافل التجارية القادمة من شمال العراق باتجاه بغداد وجنوب البلاد، ما منحه مكانة اقتصادية وتاريخية بارزة في حركة النقل والتبادل التجاري.

ورغم مرور أكثر من 142 عامًا على تشييده، وتعرض المنطقة مرارًا لفيضانات وسيول جارفة، لا يزال الجسر صامدًا. وخلال موجة الأمطار الغزيرة والسيول التي ضربت محافظة كركوك منذ التاسع من ديسمبر/ كانون الأول الماضي، وألحقت أضرارًا واسعة بالبنى التحتية، برز الجسر العثماني كأحد المعالم القليلة التي لم تتأثر، ما أثار اهتمام السكان المحليين والباحثين في الشأن التراثي.

وفي هذا السياق، أكد مدير آثار كركوك رائد عكلة أن الجسر يُعد من أبرز المعالم التاريخية في المحافظة، مشيرًا إلى أن صموده أمام السيول الأخيرة كشف مجددًا عن متانته الاستثنائية مقارنة ببعض المنشآت الحديثة التي تضررت أو انهارت.

وأضاف أن هناك توجهًا متزايدًا لدى السلطات المحلية والحكومة المركزية لإيلاء الجسر عناية خاصة، سواء من حيث الصيانة والحماية أو إدراجه ضمن المسارات السياحية، لما يمثله من قيمة تاريخية ومعمارية فريدة.

من جانبه، أوضح الباحث والكاتب العراقي نجات كوثر أوغلو أن جسر داقوق يمثل نموذجًا واضحًا لعبقرية البناء العثماني في العراق، مبينًا أنه شُيّد في عهد والي بغداد العثماني مدحت باشا، حيث وُضع حجر أساسه في أوائل سبعينيات القرن التاسع عشر، واكتمل بناؤه عام 1883.

وأشار إلى أن المواد المستخدمة في تشييده، ولا سيما الحجارة المعالجة حراريًا، أسهمت في تعزيز صلابته ومقاومته للعوامل الطبيعية، ما جعله أكثر متانة من كثير من الجسور الحديثة.

ولا تقتصر أهمية الجسر على قوته الإنشائية فحسب، بل تتجلى أيضًا في رمزيته الهندسية، إذ يتكون من 12 قوسًا ترمز إلى أشهر السنة، ويبلغ طوله نحو 365 مترًا في إشارة إلى عدد أيام السنة، بينما يصل عرضه إلى 7 أمتار دلالة على أيام الأسبوع، في تصميم يجمع بين الدقة الهندسية والرمزية الزمنية.

ويؤكد الباحثون أن الجسر العثماني في داقوق لا يمثل مجرد وسيلة عبور، بل وثيقة حجرية تختزل تاريخًا طويلًا من الحركة التجارية والتواصل الإنساني، ونموذجًا حيًا لعمارة قادرة على تحدي الزمن والطبيعة معًا.

مشاركة
الكلمات الدلالية: