كيف استخدم نبوخذ نصر الثاني النقوش المسمارية لترسيخ شرعيته في بابل؟
كشفت دراسة أثرية حديثة عن أسطوانتين مسماريتين تعودان إلى العصر البابلي الحديث، تقدمان معلومات نادرة حول مشاريع الترميم التي نفذها الملك نبوخذ نصر الثاني في أحد أبرز المعالم الدينية ببلاد ما بين النهرين.
ووفقًا لما نشره موقع GreekReporter، فقد عُثر على الأسطوانتين في وسط العراق، وتحديدًا على سطح تل الأحيمر، الذي يضم بقايا زقورة كيش، وهي مركز ديني مهم خُصص لعبادة المعبودين زبابة وعشتار. وتم تسليم القطع الطينية المحروقة إلى السلطات العراقية في ديسمبر/كانون الأول 2013، قبل تسجيلهما رسميًا في المتحف العراقي حيث تحفظان حاليًا.
الدراسة، التي قادها الباحث أحمد علي جواد ونُشرت في مجلة Iraq العلمية، حللت نصوص الأسطوانتين للكشف عما تحمله من دلالات سياسية ودينية وتاريخية. وأوضحت أن إحدى الأسطوانتين شبه مكتملة، بينما تعاني الأخرى من تلف بسيط في بدايتها، دون أن يؤثر ذلك على جوهر النص.
وتنتمي القطعتان إلى تقليد بابلي معروف، حيث كان الملوك يدفنون مثل هذه الأسطوانات داخل المباني الكبرى بوصفها وثائق تأسيسية، تسجل إنجازاتهم العمرانية وتخلد أسماءهم أمام المعبودات والأجيال اللاحقة.
النصوص المسمارية، المكتوبة بالخط البابلي الحديث والمنظمة بعناية في عمودين، تبدأ بتعريف الملك وألقابه، ثم تستعرض تاريخ البناء السابق للزقورة، قبل الانتقال إلى وصف أعمال الترميم التي نفذها نبوخذ نصر الثاني. وتشير النقوش إلى أن الزقورة تعرضت عبر القرون لأضرار كبيرة بسبب الأمطار وعوامل التعرية، ما أدى إلى تشقق جدرانها وتآكل طوبها.
وتصوّر الأسطوانات الملك البابلي باعتباره حاكمًا اختارته المعبودات لإعادة إعمار الموقع المقدس، حيث أعاد تشييد الأجزاء المنهارة، وعزز البناء بالطوب، وحرص على أن يبدو المعبد في أبهى صورة، إذ تصف النقوش الواجهة الخارجية بأنها تتلألأ “كضوء النهار”.
وتلفت الدراسة إلى أن النص يتجنب ذكر تاريخ دقيق، وهو أسلوب شائع في النقوش الملكية البابلية التي ركزت على إبراز الشرعية والاستمرارية التاريخية، أكثر من توثيق التسلسل الزمني. وبهذا، يظهر نبوخذ نصر الثاني امتدادًا لسلسلة طويلة من الملوك الذين تعاقبوا على رعاية المكان المقدس، في محاولة لربط حكمه بالماضي العريق وتعزيز مكانته الدينية والسياسية في بابل.

